بعد مرور ثلاثة أشهر على بدء إيقاف بطاقات التموين ضمن معايير الاستحقاق الجديدة، لا يزال آلاف المواطنين ينتظرون ردًا على تظلماتهم لإعادة إدراجهم في منظومة الدعم، فيما كشفت رواء رضا، في تقرير نشرته «مدى مصر»، عن استمرار حالة الغموض بشأن موعد البت في هذه التظلمات وإعادة الدعم إلى المستحقين.

 

ونشرت «مدى مصر» التقرير في 22 سبتمبر 2026، موضحة أن مواطنين وعاملين في منظومة الدعم ومكاتب التموين والجهات الحكومية المعنية أكدوا عدم معرفتهم بموعد بدء فحص التظلمات أو آلية إعادة البطاقات إلى من تثبت أحقيتهم، بينما لم يتلقَّ معظم المتقدمين أي رد حتى الآن.

 

 

مئات الآلاف استُبعدوا والتظلمات بلا إجابات

 

قال موظف في أحد متاجر البقالة المدعمة بالجيزة إن نحو 200 شخص كانوا يحصلون على السلع المدعمة من متجره أوقفت بطاقاتهم، مرجحًا أن كثيرًا منهم استُبعدوا بالخطأ. وتشمل الحالات أسرًا يدرس أبناؤها في مدارس خاصة تقل مصروفاتها السنوية عن 20 ألف جنيه، إلى جانب أشخاص امتلكوا سيارات في السابق ثم باعوها منذ سنوات.

 

وأضاف الموظف أن أيًا من هؤلاء المواطنين لم يستعد دعمه منذ فتح باب التظلمات في 14 يوليو.

 

وبدأت الحكومة في يونيو إيقاف بطاقات مئات الآلاف من المواطنين استنادًا إلى معايير جديدة لـ«العدالة الاجتماعية»، لكن الجهات الحكومية المختصة لم تقدم، بعد ثلاثة أشهر، إجابة حاسمة بشأن موعد الانتهاء من فحص التظلمات.

 

وأجرى «مدى مصر» خلال سبتمبر مقابلات مع أشخاص يعملون داخل منظومة الدعم أو يتعاملون معها، بدءًا من العاملين على مستوى المتاجر ومكاتب التموين وصولًا إلى مسؤولي المديريات والجهات الحكومية. وأجمع معظمهم على عدم معرفتهم بموعد أو آلية بدء مراجعة التظلمات، فيما قال أغلبهم إن المواطنين الذين تقدموا بطلبات لم يتلقوا ردودًا، باستثناء حالات محدودة للغاية، إذ ذكر أحد المصادر إعادة سبع أو ثماني بطاقات فقط.

 

وأثارت حالة الغموض مطالب برلمانية للحكومة بتحديد موقف واضح من التظلمات، إلى جانب التساؤل عن إمكانية تعويض المواطنين عن أشهر توقف الدعم بصورة خاطئة، في وقت تواجه فيه الأسر ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع الأسعار والتضخم.

 

 

شروط الاستبعاد وآلية التظلم

 

أكد موظفون في مكاتب التموين بالجيزة وسوهاج أن أيًا من المواطنين الذين ساعدوهم في تقديم تظلمات لم يستعد بطاقته، فيما قال بدوي دبّور، الذي يساعد المواطنين بصورة مستقلة في تقديم تظلمات الدعم بالقليوبية، إنه ساعد عددًا كبيرًا من المواطنين، لكن لم تُعد سوى سبع أو ثماني بطاقات إلى أصحابها.

 

وأوضح دبّور وجود حالات أخرى للاستبعاد الخاطئ، بينها مواطنون يمتلكون سيارات قديمة أو أسر لا يدرس أبناؤها في مدارس خاصة.

 

وفي تصريحات تلفزيونية خلال أغسطس، قال المتحدث باسم وزارة التموين أحمد كمال إن إجراءات التظلم تمر بمرحلتين؛ تبدأ بتقديم البيانات عبر منصة مصر الرقمية أو مكاتب البريد المخصصة لاستقبال طلبات التظلم، ثم يتوجه المواطن إلى مكتب التموين مصطحبًا إفادة تثبت عدم امتلاكه الأصول التي استُبعد بسببها بصورة خاطئة.

 

وأشار كمال إلى أن المستفيد يتلقى رسالة نصية عند إعادة تفعيل البطاقة، وقال إن إعادة المواطنين إلى المنظومة ستبدأ اعتبارًا من الأول من أغسطس، دون تحديد المدة التي تستغرقها مراجعة الطلبات.

 

لكن معظم الحالات لم تشهد إعادة الدعم، وعندما سأل «مدى مصر» كمال عن موعد محدد لإعادة تفعيل بطاقات المواطنين الذين ثبت استحقاقهم، قال إن فحص التظلمات ومراجعتها لا يزال مستمرًا.

 

وفي السياق ذاته، طالب عدد من أعضاء مجلس النواب الحكومة بالرد على التأخر في حسم تظلمات بطاقات التموين. وقال هشام الدجوي، رئيس شعبة المواد الغذائية والبقالة بالغرفة التجارية بالجيزة، إن التظلمات لا تزال قيد المراجعة، مضيفًا أن الغرفة لم تتلقَّ أي معلومات جديدة من الوزارة بشأنها.

 

وأشار الدجوي إلى أن القرار لم يعد بيد وزارة التموين وحدها. وأكد ممثل للوزارة، خلال جلسة للجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب في يونيو، أن لجنة العدالة الاجتماعية تتولى «طرح ملفات من يستحق ومن لا يستحق».

 

وتضم اللجنة، التي يرأسها رئيس الوزراء، عددًا من الوزراء والمسؤولين، وكانت قد اجتمعت في أواخر العام الماضي لمناقشة تقليص أعداد المستفيدين ورقمنة منظومتي الدعم والبرامج النقدية.

 

وبحسب مستشار سابق لوزارة التموين، نادر نور الدين، كانت وزارة التنمية المحلية تتولى في السابق مسؤولية حذف المواطنين من المنظومة، قبل أن تنتقل هذه المهمة إلى وزارة الإنتاج الحربي.

 

في المقابل، وضعت لجنة العدالة الاجتماعية معايير الاستحقاق الجديدة التي أدت إلى استبعاد مئات الآلاف من المواطنين من منظومة الدعم. وبحلول أواخر يوليو، تأكد استبعاد ما لا يقل عن 850 ألف مواطن، مع استمرار عمليات الاستبعاد.

 

وتشمل معايير الاستحقاق الجديدة إلحاق الأبناء بمدارس خاصة تتجاوز مصروفاتها السنوية 20 ألف جنيه، وامتلاك سيارة حديثة أو مرتفعة القيمة، أو أكثر من سيارة، أو شركة مسجلة، أو مسكن يوصف بأنه «فاخر»، فضلًا عن بعض المخالفات الإدارية، مثل تسجيل وصلة كهرباء غير قانونية باسم المواطن، أو امتلاك عقار مخالف، أو البناء المخالف على الأراضي الزراعية، أو الحصول بصورة غير مستحقة على معاش حكومي.

 

 

الدعم النقدي والتعويض عن أشهر الإيقاف

 

تأتي معايير الاستبعاد الجديدة في إطار تقليص قاعدة المواطنين المستحقين للمساعدات الحكومية، بالتزامن مع توجه الدولة لإلغاء الدعم العيني للسلع وتطبيق نظام جديد للدعم النقدي مع بداية عام 2027. وكانت مصادر قد أبلغت «مدى مصر» في وقت سابق بأن السلطات تستهدف إخراج ما يصل إلى 10 ملايين شخص من منظومة الدعم.

 

وقال النائب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي بسام الصواف إنه لا يعترض على معايير العدالة الاجتماعية التي تستهدف توجيه الدعم إلى مستحقيه، لكنه رفض تعليق بطاقات آلاف المواطنين بسبب مخالفات، معتبرًا إيقاف بطاقات التموين بسبب مخالفات عدادات الكهرباء، على سبيل المثال، «نوعًا من العقاب المزدوج».

 

وأوضح الصواف أن المواطنين الذين يثبت حصولهم على الكهرباء دون تسجيل قانوني يدفعون بالفعل أعلى شريحة من أسعار الكهرباء، مضيفًا أن تعليق بطاقة التموين وحرمان الأسرة من الدعم يتعارض مع قواعد القانون الجنائي، لأن أثر القرار لا يقتصر على الفرد وإنما يمتد إلى أسرته التي تعتمد على الدعم.

 

وأثار الصواف القضية داخل البرلمان، مشيرًا إلى طلبات إحاطة قدمها خلال أولى جلسات مجلس النواب الجديد في أواخر يوليو بشأن إيقاف 3 آلاف بطاقة في الفيوم و2700 بطاقة في أسيوط بسبب مخالفات الكهرباء.

 

كما طرحت لجنة الشؤون الاقتصادية في مجلس النواب الأسئلة نفسها قبل بدء عمليات الاستبعاد وبعدها، لكن مجلس الوزراء لم يقدم ردًا حاسمًا حتى الآن.

 

وقال مواطنون سبق أن تحدثوا إلى «مدى مصر» إن بعض الحالات كانت قد بدأت بالفعل إجراءات تسوية المخالفات وتقنين أوضاعها قبل استبعادها من منظومة الدعم، بينما لم تكن حالات أخرى مخالفة للوائح أصلًا.

 

وروى دبّور حالة أحد المواطنين في القليوبية أوقفت بطاقته بسبب وجود وصلة كهرباء غير قانونية في المتجر الذي يعمل به، بعدما ورد اسمه في محضر المخالفة لوجوده في المكان وقت تسجيلها من جانب المفتشين.

 

وطالب الصواف الجهة المسؤولة عن معالجة المخالفات بإبلاغ وزارة التموين فور تسوية المخالفة، حتى تعيد الوزارة تفعيل البطاقة دون إلزام المواطن بتقديم مستندات إضافية ومعقدة.

 

وتفرض إجراءات التظلم على المواطنين تقديم كمية كبيرة من المستندات، تشمل بطاقات الرقم القومي أو شهادات الميلاد الخاصة بالأمهات والآباء والأشقاء، والمؤهلات الدراسية للأشقاء، وفواتير الكهرباء والغاز والمياه إن وجدت، وإثبات الدخل، إلى جانب مستندات تنفي سبب إيقاف البطاقة. فإذا كان سبب الاستبعاد ارتفاع مصروفات المدارس، مثلًا، يمكن للمواطن تقديم إفادة من المدرسة تؤكد أن المصروفات لا تتجاوز 20 ألف جنيه سنويًا.

 

ومع استمرار استبعاد المواطنين وتأخر الرد على التظلمات لأشهر، يبرز سؤال آخر حول مصير المواطنين الذين ستُعاد بطاقاتهم: هل سيحصلون على تعويض عن الفترة التي حُرموا خلالها من الدعم المستحق؟

 

وقال كمال في أغسطس إن الوزارة وجهت المسؤولين بدراسة إمكانية التعويض، لكنه اكتفى، ردًا على سؤال «مدى مصر»، بالقول إن الحالات التي تثبت أحقيتها «يجري التعامل معها في ضوء نتائج الفحص والمراجعة ووفقًا للقواعد والضوابط المنظمة للمنظومة»، دون توضيح ما إذا كان المواطنون سيحصلون على تعويض عن أشهر توقف الدعم.

 

وأضاف أن أي تطورات بشأن الأمر ستُعلن عبر القنوات الرسمية لوزارة التموين.

 

أما ولاء مهدي، التي تعول أسرة من خمسة أفراد، فقد أوقفت بطاقتها في يونيو بسبب معيار مصروفات المدارس. وبالنسبة إليها، لا تزال التظلمات والمراجعات إجراءات نظرية، إذ قالت لـ«مدى مصر» إنها ما زالت تحاول جمع جميع المستندات المطلوبة لتقديم طلب التظلم.

https://www.madamasr.com/en/2026/09/22/news/u/three-months-on-citizens-await-answers-after-appealing-disqualification-from-subsidies/